Saturday, July 16, 2011

ماذا عن مستقبل الميري؟

This is interested article by newly appointed Egyptian deputy Prime Minister Hazem Biblawi; the well-known economic professor, management consultant and financial thinker. It was published in Ahram Newspaper in 23-December-2001.


ماذا عن مستقبل الميري؟


أعلنت الحكومة منذ عدة شهور عن ما يقرب من مائة وسبعين ألف وظيفة في الحكومة والمحليات في مختلف المحافظات، وخصصت في الميزانية مبلغ ثلاثمائة مليون جنيه لهذا الغرض، أي بواقع حوالي مائة وخمسين جنيهاً في الشهر لكل منهم.  وقد دفعني ذلك للتساؤل بيني وبين نفسي، ماذا عن مستقبل هؤلاء الموظفين الُجدد اللذين تستقبلهم إدارات الحكومة.  فعلى أكتاف هؤلاء وأمثالهم سوف تقوم الحكومة بعد عشرين عاماً.  فمنهم سيختار المدراء ووكلاء الوزارات، وبالتالي تُلقى عليهم أعباء ومسئوليات الحكومة في المستقبل.  فهل هذا هو ما نُعِدَّه لمستقبل الحكومة، أو الميري كما كان يجري القول؟ وأي مستقبل هذا؟

ونبدأ القول بأنه برغم مما يصدر هنا وهناك من أقوال تسطيحية وفجه، فإن نجاح أي مجتمع إنما هو رهن بوجود حكومة قوية وفعالة وكفوءة.  حقاً لقد توسعت الحكومات خلال الخمسين عاماً الماضية في وظائف وقطاعات ليست موهلة لها، وأصبح بالتالي من الضروري إعادة النظر في حجم ودور الحكومة، ومن هنا جاءت الدعوة للتخصيصية وإعادة الإعتبار لدور القطاع الخاص (في الميدان الإقتصادي) والمجتمع المدني (في الميدان الإجتماعي).  ولكن كل ذلك لا يمنع من القول بأن القطاع الخاص أو المجتمع المدني وحدهما – ودون إطار سياسي من دولة قوية فعالة وكفوءة – غير قادرين على القيام بالأدوار المنوطة بهما، وفقط من خلال الدولة وتنظيماتها السياسية والقانونية يمكن أن ينصلح المجتمع ويؤدي القطاع الخاص والمجتمع المدني ودورهما المطلوب.  لقد تنبه الفلاسفة منذ القِدم إلى أن لا وجود لمجتمع دون سلطة سياسية تضع القوانين وترسم السياسات وتوفِّر الخدمات والسلع العامة وتضمن الأمن وتُحقق العدالة والإستقرار وتحمي حدود الوطن من الإعتداءات المادية والمعنوية وترسي أُسس ومقومات التقدم. وكل هذا من وظائف الدولة التي لا يصلح لها قطاع خاص أو مجتمع مدني.  بل أن وجود القطاع الخاص والمجتمع المدني رهن بوجود دول قوية تحمي حقوقهما وتحول دون تجاوزهما.  وهكذا فإن وجود الدولة القوية الفعالة الكفوءة شرط ضروري لا غنى عنه.

وعندما نتحدث عن الدولة فإننا نُشير إلى عناصرها المختلفة وسواء تضَّمن الأمر سلطة تشريعية تسُن القوانين وتفرُض الضرائب وتُراقب إسلوب إنفاقها، أو سلطة تنفيذية تعمل على تنفيذ هذه القوانين ومتابعة السير اليومي للنشاط العام، أو أخيراً سلطة قضائية تفصل في المنازعات وتُطبق القانون.  وتحتل السلطة التنفيذية أو الحكومة في هذا الإطار وضعاً مركزياً حيث يُناط بها مسئولية مباشرة العمل اليومي التنفيذي وبها تتحدد قيمة القوانين ونوعية السياسات.  فالقوانين تظل أفكاراً مجردة حتى تجد حياتها في التطبيق اليومي لها من جانب أجهزة السلطة والإدارة.  فالسلطة التنفيذية أو الحكومة هي التي تعطي لهذه القوانين والسياسات مضمونها الحقيقي.  فالذي يُميز بين دولة وأُخرى ليس شكل أو مضمون القوانين السائدة، بقدر ما يتوقف على كيفية تنفيذها وتطبيقها من جانب سلطات التنفيذ.  ومن هنا الدور المحوري للحكومة أو للميري – كما كان يُقال.  وبقدر ما تتمتع الوظيفة الحكومية من إحترام وتقدير وما يتوافر لها من كفاءات وإمكانيات بقدر ما تنجح الحكومة في أداء وظائفها على النحو المطلوب، وبقدر ما تحرم به من هذه الأمور بقدر ما تعجز عن أداء هذا الدور.  وإذا كان توفير الإمكانات والقدرات شرطاً ضرورياً للإدارة السليمة، فإنه قطعاً شرط غير كاف، إذ لا بد وأن يُصاحب ذلك نوع من الرقابة والمساءلة.  وتُقدِّم النُظم الديمقراطية توازناً معقولاً بين السلطة والمسئولية.  وعلى أي الأحوال، فليس الغرض من هذا المقال الحديث عن كل ما يتعلق بالحكومة أو الميري، وإنما فقط التركيز على جانب واحد، وهو نوعية العاملين في الحكومة وتأثير ذلك على مستقبل المجتمع.

لقد ظلت الوظيفة العامة محل إحترام بل وإنبهار في مصر منذ عصور طويلة.  فمنذ الفراعنة، ويحتل الكاتب المصري مكانة رفيعة في الوعي العام ولعلنا نذكر أن  الفلاح الفصيح في وصيته لأبنائه ينصحهم بأن يتعلموا القراءة والكتابة عسى أن يجدوا مكاناً في إطار الوظيفة العامة.  وتؤكد الأقوال والمأثورات السارية – حتى وقت ليس بعيد – ما تعكسه الوظيفة العامة من جاه وأبهه ومن هنا الدعوة إلى القول بأن "من فاته الميري يتمرغ في ترابه".  وعندما جاء محمد علي بعد قرون من الإنحطاط في ظل حكم المماليك وولاة الدولة العثمانية، عمد إلى تكوين نواة من الجيش والموظفين، وأغدق عليهم في مظهرهم – ملابس خاصة – وفي أوضاعهم المالية والإجتماعية وأصبحت الدولة الحديثة لمحمد علي ممثلة في رجالاته من الموظفين العموميين قاطرة التحديث لمصر المعاصرة.  وأرسل البعثات إلى الخارج، ليعود موفدوها موظفين في الإدارات الحكومية المختلفة، حتى إستقر في ذهن العامة أن الحصول على درجة من درجات التعليم مرتبط بتولي إحدى الوظائف العامة.  وهكذا إرتبط التعليم بالوظيفة العامة، وألقى كل منهما على الآخر الهيبة والتقدير والإحترام فجمهور الموظفين - الأفندية – هو أيضاً جمهور المتعلمين.  وكان كبار الأعيان ووجهاء البلد يبحثون عن الوظيفة وأن ضعف راتبها بحثاً عن الجاه والمكانة الإجتماعية.  ومر معظم رجالات مصر من خلال الوظيفة العامة. فأسماء رفاعة الطهطاوي وزكي مبارك مثلاً هي أسماء لموظفين، بل أن نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم, ويحيى حقي عملوا بالوظيفة العامة في وزارات الأوقاف والثقافة والنيابة العامة، والقائمة طويلة ويمكن سرد أسماء كثيرة في هذا المضمار.  فمعظم رجالات مصر من سياسيين وغيرهم مروا بالوظيفة العامة في فترة أو أُخرى من حياتهم.

ولقد كان الإنبهار بالوظيفة العامة أحد الإنتقادات الجادة للمجتمع المصري.  لقد أسرف المجتمع المصري في تقديس الوظيفة العامة مجاوزاً المعقول والمألوف حتى كاد يُصبح مجتمعاً للموظفين من ناحية والفلاحين من ناحية أُخرى.  والمجتمع لا يتقدم فقط بالوظيفة العامة والعمل الحكومي وحدهما.  فهناك القطاع الخاص وفرص العمل الحر، وهي مجالات تسمح بالمبادرة والإبداع والمغامرة وتحمُّل المخاطر والدخول في مجالات جديدة لا تستطيع أن تستوعبها الوظيفة العامة.  وهذا كله صحيح ولكن ما نُلاحظه الآن هو الإنتقال من النقيض إلى النقيض الآخر، الإنتقال من فترة تكاد تقدس فيها الوظيفة العامة إلى مرحلة جديدة تكاد تحتقر فيها الوظيفة العامة.  فالموظف العام – الآن – يفتقد إلى الثقة والإحترام اللذين كان يتمتع بهما في السابق.  فهو يفتقد إلى الثقة في نفسه، وهو يشعر بالمهانة إزاء المرتب الهزيل الذي يحصل عليه في آخر الشهر.  وهو يتحايل لزيادة دخله، بوسائل مشروعة حيناً وغير مشروعة أحياناً.  فهو يجمع بين عمله في الحكومة وأعمال أخرى يمكن أن تدُر عليه دخلاً إضافياً، وذهابه إلى عمله المكتبي في الحكومة هو عمل شكلي وليس مهمة أو رسالة.  وعندما يُنظر إلى ملابسه وملابس زملائه، وإلى شكل أثاث مكتبه وظروف العمل المحيطة  لا يُمكن إلا أن يُصيبه الإحباط.  ولا يقتصر الأمر على شعور الموظف بالظلم الواقع عليه بل أن المجتمع أصبح ينظر إلى الموظف العام نظرة لا تخلو من الشفقة بل وأحياناً من عدم الإحترام.  فإنظر إلى شرطي المرور وكيف يعامل ليس كرمز للسلطة ولحكم القانون، وإنما كأجير غلبان يستحق الصدقة والإحسان.  ونقرأ كثيراً عما يتعرض له المدرسون – وكنا نعتقد أن المعلم كاد أن يكون نبياً – من أذى وعدم إحترام من التلاميذ والأهالي.  لقد أصبح الموظف العام حاله تدعو إلى الشفقة حتى أن هذا الموضوع أصبح أحد مجالات السخرية وموضوعاً أثيراً لدى راسمي والكاريكاتور.  وبشكل عام فقد تدهور المركز المالي الإجتماعي للموظف بشكل يُنذر بالخطر.  إحترام السلطة وهيبتها من إحترام الموظف العام.  وإذا فقد الموظف إحترامه وتقديره إبتذلت السلطة وضاع أساس دولة القانون.  والسلطة ليست كبار الموظفين فقط وإنما هي بالأساس آلاف الموظفين العاديين الذين يديرون دولاب العمل في مختلف الوزارات والإدارات والمصالح.  وهذا يطرح تساؤلاً، ماذا عن مستقبل الوظيفة العامة ؟

وإنني أتساءل عن نوعية الشباب التي تقبل أو تأمل في العمل الحكومي الآن.  في الماضي كان أوائل كليات الحقوق والطب والهندسة والآداب والعلوم يتطلعون للعمل الحكومي، في القضاء أو الخارجية أو مستشفيات الحكومة أو وزارة الأشغال ومصلحة الري أو في وزارة المعارف.  وبإستثناء وزارات الخارجية وهيئات القضاء وربما التدريس في الجامعات – فإنني عاجز عن تصور طالب نابه متفوق في دراسته متفتح في آفاقه يأمل في العمل في الحكومة في وزارات التجارة أو المالية أو الصحة أو الأوقاف او الثقافة أو غيرها.  وفقط إذا فقد الأمل وإنغلقت الأبواب يُمكن أن يقبل بالعمل الحكومي يأساً وإستسلاماً.  يمكن أن نتصور شكل الحكومة بعد عشرين عاماً من النظر إلى من يقبل من الشباب الآن قبول العمل في الحكومة.  فهل بهذه النوعية يُمكن أن نعُد العُدة لإدارة شؤون الدولة في القرن الحادي والعشرين.  إن من يتولون المراكز القيادية في الحكومة يحملون مسئولية كبيرة في دفع مسيرة التقدم، ولا يُمكن الإعتماد بشكل مستمر على العناصر الخارجية من مستشارين وخبراء بل لا بد من تفريخ قيادات الإدارة الحكومية من بين الموظفين العاملين، وإعطائهم الإمكانيات المادية والعلمية الكافية واللازمة لمواجهة إحتياجات المستقبل. فهؤلاء هم الذين يعدون السياسات ويقترحون القوانين ويُراقبون تنفيذها.  ولذلك لا بد من بذل كل الجهد في توفير أفضل الإمكانيات لهم. عندما وصل ديجول إلى السلطة بعد الحرب العالمية الثانية أدرك أهمية تكوين كادر من قيادات العمل الحكومي تكون مؤهلة علمياً ومحل ثقة إجتماعياً، فأنشأ مدرسة الإدارة العليا ومنها تخرج كبار المسئولين ومنها أيضاً ظهرت أيضاً قيادات مشروعات القطاع الخاص. ويكفي أن نُشير إلى بعض أسماء رؤساء الجمهوريات والوزارات من المتخرجين من هذه المدرسة أمثال جيسكار دي ديستان، وجاك شيراك من رؤساء الجمهورية، وفابوس، وجوبيه من رؤساء الوزارات فضلاً عن معظم الوزراء وقيادات العمل الحكومي.  وإذا كانت تجربة دول الشرق الأقصى، سواء مع اليابان أو مع النمور الآسيوية قد جذبت الإنتباه فإنها تميزت بوجود إدارات حكومية على أعلى مستوى.  فوزارة الصناعة والتجارة الخارجية Miti في اليابان مشهورة بالكفاءات العالية، أما سنغافوره فهي – ربما – الدولة الوحيدة في العالم التي ترتفع فيها مرتبات موظفي الحكومة – على قلتهم – على مرتبات القطاع الخاص.  وإدارة هونج كونج قبل أن تنتقل إلى الصين إعتمدت على عدد قليل من الكفاءات الإدارية، بريطانية وصينية.

حقاً، لقد توسعت الحكومة – عندنا وعند غيرها – في الماضي، وهناك حاجة إلى تقليص حجمها، ولكن لا بد وأن يُصاحب ذلك العمل على تحسين نوعيتها.  إن الحديث عن تقليص حجم الحكومة لا يمكن أن ينفصل عن التأكيد على ضرورة الإهتمام بنوعيتها وكفاءتها.

لذلك فإنه عندما تُعلن الحكومة عن تعيين مائة وسبعين ألف وظيفة بمرتب شهري أقل من مائة وخمسين جنيهاً في الشهر فإنها – ربما – تضع قنبلة زمنية يُمكن أن تُفسد الحكومة ودورها في المستقبل.  ماذا نتوقع من موظف بمرتب مائة وخمسين جنيهاً غير الشعور بالإحباط والظلم، وكيف يواجه تكاليف الحياة بل وربما تكاليف المواصلات وحدها.  هل يمكن أن يؤدي مثل هذا الموظف عمله بإتقان وجدية؟ هل يمكن أن يكون متفاهماً مع الجمهور ورفيقاً في معاملاته معه؟ ألا يتعرض لإغراءات إستغلال سلطة الوظيفة لمزايا مادية أو غير ذلك؟ وهل أمثال هؤلاء يمكن أن يكونوا نواة لقيادات العمل الحكومي، مدراء، وكلاء وزارات، بعد عشرين أو خمسة وعشرين عاماً ؟ وماذا عن عبء الميزانية، هل ثلاثمائة مليون جنيه هي نهاية المطاف، ماذا بعد سنتين أو ثلاث من مطالبات بتحسين الأجور ورفع المرتبات ؟

لقد خلطت الحكومة بين واجبها في خلق فرص عمل لحل أزمة البطالة وبين الإلتجاء إلى العادة القديمة المستهجنة في تكديس الجهاز الحكومي بالموظفين في ظروف غير مناسبة، مما ينعكس سلباً على الموظف وعلى الأداء الحكومي.  ألم يكُن أجدر بالحكومة وقد خصصت هذا المبلغ 300 مليون جنيه في الميزانية أن تضعه تحت تصرُّف القطاع الخاص في برنامج لتوظيف الشباب الحديثي التخرج، بحيث تتحمل الحكومة – مثلاً –  70-80 % من المرتب لمدة خمس سنوات ويتحمل القطاع الخاص الباقي، وربما مع إعفائه من أعباء التأمينات الإجتماعية لفترة معينة.  والقطاع الخاص قادر على توفير أعمال بأجور منخفضة دون أن يُصاحبها بريق السلطة وإغراءاتها.  ولكنه يوفر في نفس الفرصة للمشاركة في عمل منتج وإكتساب خبرة نافعة من الحياة.  بهذا الشكل كان يمكن توفير الظروف لخلق فرص عمل حقيقية في القطاع المنتج وعدم تكبيل الحكومة بأعباء جديدة هي في حل عنها.  وإذا كان الشعور الشعبي في الماضي يحب أن "يتمرغ في تراب الميري" إذاً فاته حظه فيه، فإننا لسنا في حاجة – بعد أن فقد الميري بريقه – أن نمرغه في التراب بمزيد من الموظفين المحبطين بهذه المرتبات الهزيلة.  والله أعلم.

الأهرام: 23.12.2001


Related Posts

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...